مجمع البحوث الاسلامية

158

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

رخاء ونعمة فمن فضل اللّه ، وما أصابك من سيّئة ، أي قحط وشدّة فبشؤم فعلك ومعصيتك لا بشؤم محمّد عليه الصّلاة والسّلام . كما زعم المشركون ، ويؤيّده قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . . . الشّورى : 30 . فإن قيل : كيف قيل : إنّ الشّرّ والمعصية بإرادة اللّه ، واللّه تعالى يقول : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النّساء : 79 . قلنا : ليس المراد بالحسنة والسّيّئة : الطّاعة والمعصية ، بل القحط والرّخاء والنّصر والهزيمة ، على ما اختلف فيه العلماء ، ألا ترى أنّه قال : ( ما أصابك ) ولم يقل : ما عملت من سيّئة . ( 51 ) البيضاويّ : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ . . . كما تقع الحسنة والسّيّئة على الطّاعة والمعصية ، يقعان على النّعمة والبليّة ، وهما المراد في الآية . [ ثمّ أضاف نحو الفرّاء ] ( 1 : 231 ) أبو حيّان : [ ذكر قول ابن عبّاس والحسن والسّدّيّ ثمّ قال : ] والظّاهر أنّه للمنافقين ، لأنّ مثل هذا لا يصدر من مؤمن ، واليهود لم يكونوا في طاعة الإسلام حتّى يكتب عليهم القتال . [ ثمّ أدام نحو الفرّاء ] ( 3 : 300 ) الثّعالبيّ : الضّمير في ( تصبهم ) عائد على الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ النّساء : 76 ، وهذا يدلّ على أنّهم المنافقون ، لأنّ المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة ، ولأنّ اليهود لم يكونوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تحت أمر فتصيبهم بسببه أسواء . والمعنى إن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من غنيمة أو غير ذلك ، رأوا أنّ ذلك بالاتّفاق من صنع اللّه ، لا ببركة اتّباعك والإيمان بك ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي هزيمة أو شدّة جوع أو غير ذلك ، قالوا : هذه بسببك ، وقوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إعلام من اللّه سبحانه أنّ الخير والشّرّ والحسنة والسّيّئة خلق له ، ومن عنده لا ربّ غيره ، ولا خالق ولا مخترع سواه . والمعنى قل يا محمّد لهؤلاء . ثمّ وبّخهم سبحانه بالاستفهام عن علّة جهلهم ، وقلّة فهمهم وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق . ( 1 : 368 ) الآلوسيّ : [ نقل الأقوال السّابقة ثمّ قال : ] وقيل : نزلت فيمن تقدّم وليس بالصّحيح ، وصحّح غير واحد أنّها نزلت في اليهود والمنافقين جميعا ، لمّا تشاءموا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قدم المدينة وقحطوا . وعلى هذا فالمتبادر من الحسنة والسّيّئة هنا : النّعمة والبليّة ، وقد شاع استعمالها في ذلك ، كما شاع استعمالها في الطّاعة والمعصية . وإلى هذا ذهب كثير من المحقّقين ، وأيّد بإسناد الإصابة إليهما بل جعله صاحب « الكشف » دليلا بيّنا عليه ، وبأنّه أنسب بالمقام لذكر الموت والسّلامة قبل . ( 5 : 88 ) رشيد رضا : الحسنة : ما يحسن عند صاحبه كالرّخاء والخصب والظّفر والغنيمة ، كانوا يضيفون الحسنة إلى اللّه تعالى لا بشعور التّوحيد الخالص بل غرورا بأنفسهم ، وزعما منهم أنّ اللّه أكرمهم بها عناية بهم ، وهروبا من الإقرار بأنّ شيئا من ذلك أثر ما جاءهم به الرّسول من الهداية ، وما حاطهم به من التّربية والرّعاية ،